يبدو المسار الاقتصادي لدولة الإمارات على مدى العقدين الماضيين أشبه باختبار جهد ما كان لاقتصاد أقل كفاءةً في إدارته أن يجتازه ولو مرة واحدة. فالأزمة المالية العالمية في عام 2008، وانهيار أسعار النفط بين عامي 2014 و2016، وجائحة كوفيد-19، والتوتر الجيوسياسي المزمن في المنطقة، كلٌّ منها وضع أسس الاتحاد على المحك. ومع ذلك، أعقب كلَّ أزمةٍ تعافٍ وإعادة تموضع تركا دولة الإمارات أقوى وأكثر تنوعاً واندماجاً في الاقتصاد العالمي مما كانت عليه من قبل.
وبالنسبة إلى الشركات التي تقيّم مخاطر الولاية القضائية، وهو ما ينبغي لكل مؤسسة جادّة عابرة للحدود أن تفعله، يقدّم أداء دولة الإمارات في الأزمات مؤشرات أوثق دلالةً من أي كتيّب تسويقي.
عام 2008–2009: بوتقة الاختبار
ضربت الأزمة المالية العالمية دبي بقسوة بالغة، فانهارت أسعار العقارات بأكثر من 50%، وأعلنت مجموعة «دبي العالمية»، وهي تكتل مرتبط بالحكومة، تجميد سداد التزامات ديون بلغت 26 مليار دولار. وكتبت وسائل الإعلام الدولية حينها نعياً للإمارة. غير أن ما حدث بعد ذلك أرسى نموذجاً جرى صقله في كل أزمة لاحقة: فقد قدّمت أبوظبي طوق نجاة بقيمة 10 مليارات دولار، وأعادت دبي هيكلة ديونها عبر مفاوضات شفافة مع الدائنين، وطبّقت الجهات التنظيمية إصلاحات عزّزت كفاية رأس المال ومعايير الإقراض في القطاع المصرفي.
ولم يكن التعافي فورياً ولا خالياً من الألم، لكنه أثمر تحسينات بنيوية، من ممارسات إقراض متحفظة، ورقابة تنظيمية أفضل، وقواعد إيرادات متنوعة، أدّت دور الحاجز الواقي في كل أزمة تلتها.
انهيار أسعار النفط: تسريع وتيرة التنويع
حين هبطت أسعار النفط بأكثر من 50% بين عامي 2014 و2016، انكشف ضعف الاقتصادات المعتمدة على الموارد الهيدروكربونية انكشافاً آنياً. ولم تكن استجابة دولة الإمارات دفاعية، بل كانت تحويلية. فقد عجّل هذا الهبوط بمبادرات التنويع التي كانت قائمة بالفعل لكنها تفتقر إلى الإلحاح. كما أدّى استحداث ضريبة القيمة المضافة في عام 2018 وضريبة الشركات في عام 2023، وهما إجراءان ماليان كان من غير المتصوَّر سياسياً اتخاذهما قبل عقد من الزمن، إلى توسيع قاعدة الإيرادات وتقليص الاعتماد البنيوي على عائدات النفط.
كوفيد-19: عائد الكفاءة
رسّخت استجابة الدولة للجائحة سمعتها في الكفاءة التشغيلية تحت الضغط. فقد حقّقت في غضون أشهر واحداً من أعلى معدلات التطعيم في العالم، وطبّقت سياسات إعادة فتح واقعية بينما ظلّت اقتصادات غربية كثيرة مغلقة، وقدّمت دعماً مالياً كبيراً للمنشآت المتضررة. وبفضل إعادة الفتح المبكر، أصبحت دبي واحدة من المراكز التجارية الدولية القليلة التي واصلت عملها خلال عام 2021، فاستقطبت محترفين وشركات ربما ما كانوا لينظروا في الانتقال إليها في الظروف العادية.
لا تكتفي دولة الإمارات بالنجاة من الأزمات، بل تتخذها دافعاً للتحسين البنيوي، فتخرج من كل أزمة بقاعدة اقتصادية أوسع، ومؤسسات أمتن، ومكانة عالمية أرسخ.
عوامل الصمود البنيوي
ترتكز هذه القدرة على الصمود إلى عدة عوامل: احتياطيات ثروة سيادية تتجاوز 1.5 تريليون دولار توفّر حواجز مالية لا تتوافر لمعظم الاقتصادات؛ وقاعدة اقتصادية متنوعة تشكّل فيها القطاعات غير النفطية اليوم أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وموقع جغرافي استراتيجي يتيح التجارة مع أوروبا وآسيا وأفريقيا؛ ونموذج حوكمة يمكّن من اتخاذ القرار بسرعة دون الجمود الذي يفرضه التعطّل التشريعي؛ وأخيراً سكان شباب متنامون ذوو ثقافات متعددة يوفّرون اليد العاملة والطلب الاستهلاكي معاً.
وبالنسبة إلى الشركات التي تقيّم أين تؤسّس مقرها الإقليمي أو الدولي، ليست هذه اعتبارات نظرية مجردة، بل تترجَم إلى ثقة عملية بأن الولاية القضائية ستواصل أداء دورها، وأداءه أداءً جيداً، مهما كان الاضطراب العالمي القادم.
تساعد Polaris عملاءها على هيكلة أعمالهم في دولة الإمارات للاستفادة من استقرار الولاية القضائية وقدرتها على الصمود. من الهيكلة المؤسسية إلى تخطيط الإقامة، للتواصل معنا: info@polaris.ae.