كانت موجة انتقال المهنيين ورواد الأعمال وأصحاب الشركات الروس إلى الإمارات، وإلى دبي على وجه الخصوص، واحدة من أبرز التحولات السكانية في تاريخ الخليج الحديث. فما بدأ تدفّقاً ضئيلاً قبل عام 2022 تحوّل إلى تيار، ثم إلى موجة عارمة. وتمثّل الجالية الروسية في الإمارات اليوم واحدة من أسرع جاليات المغتربين نمواً، وكان أثرها في مشهد العقارات والأعمال والثقافة في دبي أثراً تحويلياً.
والأسباب بديهية ودقيقة في آن واحد. فالأسباب البديهية، من العقوبات والقيود المصرفية وحالة عدم اليقين الجيوسياسي، تفسّر طابع الاستعجال. أما الأسباب الدقيقة، من الكفاءة الضريبية وسهولة التواصل التجاري وجودة الحياة، فتفسّر لماذا أثبت هذا الانتقال أنه دائم بالنسبة لمعظم من أقدموا عليه.
الخدمات المصرفية: العامل الحاسم
بالنسبة لكثير من المواطنين الروس، كان الوضع المصرفي هو الشرارة التي حوّلت التفكير إلى فعل. فقطع المصارف الروسية الكبرى عن شبكة SWIFT، وتجميد علاقات المراسلة المصرفية، وما تلا ذلك من تتابع متطلبات الامتثال التي فرضتها المؤسسات المالية الغربية، كل ذلك خلق أزمة عملية لكل من يدير أعمالاً دولية انطلاقاً من روسيا.
يمكن للمقيمين الروس في الإمارات الوصول إلى الطيف الكامل من الخدمات المصرفية الدولية. فالحسابات متعددة العملات، والحوالات المصرفية الدولية، وتسهيلات تمويل التجارة، والمنتجات الاستثمارية، كلها متاحة عبر النظام المصرفي الإماراتي، وهي خدمات مقيّدة أو معقّدة أو غير متاحة أصلاً للحسابات القائمة في روسيا. وليس هذا تيسيراً هامشياً، بل هو، بالنسبة لرواد الأعمال الذين يديرون عمليات عابرة للحدود، شرط وجودي لاستمرار العمل.
المعادلة الضريبية
تفرض روسيا ضريبة دخل شخصي ثابتة تتراوح بين 13% و15%، وضريبة شركات بنسبة 20%. وتقدّم الإمارات، بضريبة دخل شخصي صفرية وضريبة شركات بنسبة 9%، ميزة ذات قيمة، ولا سيما لأصحاب الأعمال القادرين على هيكلة شؤونهم بما يتيح الاستفادة الكاملة منها. غير أن التفاعل بين الالتزامات الضريبية الروسية والإماراتية يتطلب تخطيطاً دقيقاً. فالقانون الضريبي الروسي يفرض التزامات قائمة على الجنسية في فئات معينة من الدخل، كما أن الخروج من الإقامة الضريبية الروسية، وإن لم يكن معقّداً إلى حد التعذّر، ينطوي على متطلبات إجرائية يجب التعامل معها على نحو سليم.
الحياد بوصفه أصلاً تجارياً
إن موقع الإمارات بوصفها مركزاً تجارياً محايداً دبلوماسياً، يحتفظ بعلاقات مع كل اقتصاد كبير في العالم تقريباً، يتيح لرواد الأعمال الروس وصولاً إلى الأسواق بات الحفاظ عليه بالغ الصعوبة انطلاقاً من روسيا نفسها. فالإمارات لم تفرض عقوبات على المواطنين الروس أو الشركات الروسية، ولا يزال النظام المصرفي يخدم العملاء الروس الذين يستوفون متطلبات اعرف عميلك المعتادة ومتطلبات الامتثال لمكافحة غسل الأموال.
وهذا الحياد أصل تجاري بالغ القيمة. فبإمكان رائد الأعمال الروسي المقيم في دبي أن يمارس أعماله مع نظرائه في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا من خلال كيان إماراتي، فيصل إلى أسواق وقنوات مصرفية كانت ستكون مقيّدة أو متعذّرة انطلاقاً من قاعدة روسية.
تقدّم الإمارات شيئاً لا يمكن لأي قدر من المال شراؤه من داخل روسيا اليوم: وصولاً غير مقيّد إلى النظام المالي العالمي.
المجتمع ونمط الحياة
الجالية الروسية في دبي ناضجة وقائمة بذاتها. فالمدارس الناطقة بالروسية، والعيادات الطبية، والمنابر الإعلامية، والمطاعم، والبنية الاجتماعية، كلها تخدم جالية بلغت كتلة حرجة. ويمثّل المناخ، ولا سيما من أكتوبر إلى أبريل، تحسّناً هائلاً مقارنةً بشتاء موسكو. كما تربط رحلات مباشرة بين دبي وموسكو في نحو خمس ساعات، بما يحفظ يسر السفر لمن لهم روابط مستمرة بروسيا.
اعتبارات الهيكلة
بالنسبة للمواطنين الروس الذين يؤسّسون شركات في الإمارات، تشمل اعتبارات الهيكلة متطلبات العناية الواجبة المعزّزة التي تطبّقها المصارف الإماراتية على الطلبات ذات الأصل الروسي، وتنسيق إجراءات الخروج الضريبي من روسيا مع تأسيس الإقامة في الإمارات، والتوثيق السليم لهياكل الملكية المنتفعة بما يستوفي متطلبات المالك المنتفع في الإمارات وأي التزامات روسية مستمرة.
تقدّم Polaris استشارات متخصصة للعملاء الناطقين بالروسية في ما يخص الإقامة في الإمارات والهيكلة المؤسسية والتعريف بالمصارف وتنسيق الشؤون الضريبية. للتواصل معنا، يرجى المراسلة على info@polaris.ae.